أسبوع الذكريـات ..

الصورة في عُرف أمي مرتبطة بالموت والحزن والفقدان ، وفي عالم أبي تمثل الحياة وبهجتها ولحظاتها السعيدة ..

اليوم أشعر أني إخترت فريق أبي ، وأحببت بسببه هذا المجال الذي أخطو فيه متعثرا خطواتي الأولى ..


_____ أرشيف

قصة فوتوغرافية

حكيم محمدي

أسبوع بلا أنترنت !

للعام التّاسع على التوالي يتم قطع الأنترنت في الجزائر أسبوعا كاملا بسبب شهادة البكالوريا ، والسبب حسب الحكومة الجزائرية هو تجنب الغش في أهم إمتحان دراسي بالبلاد ، سبب هذا القطع يعود لتسريب إمتحانات بكالوريا سنة 2016 وقد أدّى ذلك لإعادة إمتحانات المواد المسربة أشهر بعد الحادثة ، وللمصادفة فقد كانت تلك السنة التي إجتزت فيها الإمتحان ..

تكاد تكان الجزائر الدولة الوحيدة في العالم التي يتم فيها هذا التجاوز ، حتى أصبح حدثا وطنيا منتظرا للسخط والسخرية والتهكم ، و طالما أن الأمر أصبح تقليدا فإنه أصبح لايستدعي أدنى توضيح أو تصريح أو إعتذار من أي مسؤول ، في انتهاك صارخ للحقوق والحريات ..

قبل سنتين صرّح رئيس البلاد الحالي أنه لن يكون هناك قطع للأنترنت و أن دولة بحجم الجزائر تجاوزت هذا وأنه سيتم تزويد أقسام الإمتحانات بأجهزة متطورة مثل أجهزة التشويش ، بدا التصريح مضحكا و حلما بعيدا في دولة تستمر في التقهقر ، غير أن هناك من كان متفائلا قبل أن تصدمه الحقيقة المرة ،حيث استيقظ الجزائريون صبيحة ذلك اليوم على أنترنت معدومة ، ومن يومها لم يعد أحد يثق في هذه التصريحات ..


الغريب في الأمر أن عدد المشتركين بخدمة الإنترنت الثابت في الجزائر يصل حالياً إلى خمسة ملايين مشترك، مقارنة بـ3.5 ملايين مشترك في بداية سنة 2020 ، بحسب بيان رسميٍ لوزارة البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، صدر في أيار/مايو الماضي غير أن الحكومة الجزائرية لا تضع لهم حسابا كأنهم مجرد أرقام ولا تتأثر حياتهم وأعمالهم بهذه القرارت .. الحكومة نفسها التي لم تستحِ قبل ذلك من كونها تقوم بقطع أنترنت تحتل من حيث سرعة تدفقها المرتبة 130 فيما يخصّ الانترنت المتنقل، والرتبة 173 في الانترنت الثابت، أي الرتبة ما قبل الأخيرة !

و الأغرب من ذلك أن متعاملي الهاتف موبليس ، أوريدو ، وجازي لم يكلفو نفسهم عناء التوضيح أو التعويض !


إذا كانت هذه القرارت المضرة من نظام شمولي لايعترف بحقوق مواطنيه غير مفاجئة ، فإن المفاجئ هو أن هؤلاء المتضررين لم يقوموا بأي خطوة إحتجاجية عدا انتظار عودة الانترنت ومشاركة صور و تعليقات ساخرة ! كأن الأنترنت لاتشكل قيمة في حياتهم مقارنة بندرة الحليب مثلا !


لعل هذا الرضوخ و الاستسلام هو الذي جعل الأمر يغدو مألوفا لصناع القرار الذين لم يبق فيهم من يكلف نفسه عناء إعلام المواطنين المذعنين أن غدا سيكون موعد بداية أسبوع بدون أنترنت ..

وسط هذا الوضع المضحك و المقلق ، والصمت الغريب من المثقفين و أدعياء الثقافة المستعدون دوما للتنظير في قضايا لاتهمنا إطلاقا ! ، وجدت نفسي أعيد صياغة خططي في ظل هذه الظروف الإستثنائية خصوصا أن إتصالي بالانترنت يشكل جزءا كبيرا من يومي ، فكرت في القيام بالكثير من الأشياء ، غير أني قررت في النهاية أن أعود إلى فهم و تشكيل ذاتي عبر مراحل زمنية مختلفة من خلال ألبوم الصور الذي تُحكم أمي إخفاؤه ..


أنا و الصّـورة ..

لم أتلق تكوينا في التصوير الفوتوغرافي ، غير أني أملك إرتباطا غير طبيعي بالصورة والتصوير ، يتذمر أصدقائي من هوسي بإلتقاط الصور الشخصية ، أرى أن الأمر طبيعيا لكني لا أحتج من إنزعاجهم ، هذا الأسبوع عدت لأرشيف بيتنا أبحث في الصور ، محاولا تذكر وفهم مراحل مهمة في حياتنا كعائلة ، عرفت أن علاقتي بالفوتوغراف علاقة طويلة تمتد من طفولتي ، لقد ورثت التصوير من أبي الذي كان مصورا هاويا ، إمتلك كاميرا ، رافقته لأكثر من خمس عشرة سنة ، إلتقط بها مئات الصور ، كلما أخرجها وبدأ في تفكيكها لإصلاح عطل لايعرفه إلاّ هو ، نبدأ نحن في تجهيز أنفسنا لأننا نعرف أنه سيطلب تصويرنا لتجريبها ، يفعل ذلك لكي لايحرج نفسه في طلب إلتقاط صور لنا ، أتذكر هذه الأجواء ، أتذكر ضحكنا ومشاغباتنا لنحصل على أكثر صور حتى نتفاخر على بعضنا بعد ذلك ، وننتظره بشغف ليخرج الكليشي ويذهب به إلى الكوداك ليحمل لنا كومة الفوتوغرافات ، في الكثير من المرات تكون “ محروقة “ فيتحسر على ذلك ويخبرنا أن عطلا أصاب الكاميرا ، ويعدنا أن سيعوضنا عن ذلك لاحقا ..


ليس غريبا أن أتعلق بالصورة والتصوير ،لم أفكر في هذا عندما كنت صغيرا ، غير أني في السنوات الأخيرة وجدت شغفي في التصوير ، الأمر قادني إلى عالم السينما ، بدأت في إخراج أفلام وثائقية وتسجيلية بطريقة هاوية ، تماما مثل أبي الذي كان هاويا في هذا المجال ، اليوم هو أكثر شخص في العائلة تشجيعا لي ، يناقشني في زوايا التصوير ، ينتقد و يستحسن بعضها ، أجد في ذلك نوعا من الدعم النفسي لأواصل ، أبي كان فنانا بفطرته ، لم يسع لمجد أو ربما لم يكن يعرف عوالم التصوير الفوتوغرافي بالنظر لمستواه الثقافي ، غير أنه إستطاع أن يغرس في هذه الروح ، روح الفوتوغراف ، لايهم كانت الصور جميلة أو العكس ، المهم أنها توثيق للحظات وللأحداث ، المهم أنها صور حقيقية مقتطعة من حياتي وحياة الذين أقوم بتصويرهم ..

الصورة نوع من الهدايا ، إنها عربون محبتي للأشياء التي أهتم بها ، اليوم أنا أكثر وعيا بما أفعل ، أقوم بهذه المهمة لتقديم القصص ، القصص التي لا تسمع ولا تروى ، أنير بها زوايا كثيرة لاتصلها الأنوار ، لاتصلها الكاميرات الرقمية المتطورة ، أحكي بها الكثير من الأحداث و الحكايات ..

على النقيض لم تحب أمي الصور كثيرا ، كانت الأقل حضورا في الألبوم ، حضورها مقتصر على صور مناسباتية كالأعراس مع النساء ،تجمعها معنا صورتين فقط ، لم أحتَج لسؤالها عن غيابها في صورنا لأني أعرف أنها تعتبر التصوير نوع من الوداعيات ، تعلم أني أضع صوري في حساباتي الشخصية كثيرا ، كلما تسنح الفرصة توجه خطابها التوعوي تدعوني من خلاله التقليل من تصوير نفسي ، حتى الألبوم الذي نملكه نخشى أن نتصفحه أمامها ، بالألبوم صور الراحلين ، الراحلين من عائلتها ، أخويها ، تبكي كثيرا عندما تصادف صورهما ، بين وفاتهما خمس أعوام تقريبا ، وكلاهما كانا يبلغان 33 سنة ، أذكر جيدا كيف تلقى أبي التلفون الذي يخبره الفاجعة ، وأتذكر جيدا إحساسها عندما طلب منها أبي تجهيز نفسها للسفر إلى بيت جدّي لأمر طارئ ، قلبها لم يكن ليخطأ أن الفاجعة أليمة ، أرى على وجنتيها كل يوم تلك الدموع بدون نواح ، لقد غنمت صور خاليَّ في أتوغراف واحد من عائلتها الكبيرة ، ووضعتهم بين صورنا ، و تلك الصور هي أكثر ما تحب أمي في الألبوم بأكمله

لذلك أتفادى أن أثير مشاعرها وأنا أقلب صفحات الألبوم أمامها ، الصورة في عرف أمي مرتبطة بالموت والحزن والفقدان ، وفي عالم أبي تمثل الحياة وبهجتها ولحظاتها السعيدة ..

اليوم أشعر أني إخترت فريق أبي ، وأحببت بسببه هذا المجال الذي أخطو فيه متعثرا خطواتي الأولى ..


خالي يحي يتليفوني لخالي بلعيد .. الله يرحمهم في روج

أنا في قلب الصورة ..

في الألبوم صور العائلة ، حرص أبي على توثيق العديد من اللحظات ، تخبرني أختي أن الكثير من الصور ضاعت و أهملتها أمي متعمدة ،ربما نكاية في أبي وإحتفاءاته المبالغة بلحظات في حياتنا ، من يدري ، لا يهمني السبب بقدر ما يؤلمني أن أفضلها حسب أختي لم تعد موجودة في ألبومنا ، شيئ مني رحل ، الصورة أبلغ من ألف نص ، في الألبوم صور العائلة ، لكنها ليست صورا صامتة كما كنت أتصور ،إنها مليئة بالأحداث و بالمفارقات المضحكة ، إكتشفت ذلك من خلال فتحي للموضوع مع إخوتي ونحن نقلب هذه الذكريات ، يضحكون مثلا علي ويخبرونني أني كنت أبكي في أحد الصور لأني لم أجد حذائي ورفضت أن أتصور لأني لا أبدو لائقا بفردة حذاء واحدة غير أن أبي غافلني بكاميرته .. أرد عليهم أني مهتم بأناقتي منذ صغري ، يحكون لي أن أبي منحني الكاميرا حتى أصورهم ولما فتحت العدسة أخبرته أني أرى سيارة فيتهكم كعادته متنمرا علي ويشبهني بأحد الأقارب _الذي لازمني إسمه ككنية في العائلة حتى كبرت _ فأنفجر بالبكاء بسبب الإحراج ! .. نواصل نبش الذاكرة فتتدخل أمي و تقول أن أبي قرر شراء الكاميرا بعد أيام من ميلادي ليحتفي بي ..هذه الحكايات وعلى سخافتها وبساطتها جزء من تكويني و علاقتي الغريبة والمشبوهة بالصورة ..


في الألبوم صور العائلة ، وصور أخرى لأشخاص لا أعرفهم ، لاحقا وبعد إلحاحي للتعرف عليهم وسبب وجودهم بكثرة أخبرتني أمي أن عادة منتشرة تتمثل في تبادل الصور هي من جاءت بهم لألبومنا ، قالت أننا نمنح الاشخاص العزيزين علينا أفضل صورنا أو قد يطلبونها منا ، ونفعل معهم نفس الشيئ ، تماما مثل تبادل الرسائل كانت عادة تبادل الصور طقس مهم لتأكيد قوة العلاقات .. ، نساء وشباب وشيوخ وأماكن في ألبوم ذكرياتنا ، أمر ممتع ، الغريب أني اليوم أعتبرهم جزء من العائلة ، و أخشى ضياع صورهم مثلما أخشى على ضياع صورنا ، ربما لو يطلبها أصحابها سأرفض منحها لهم ، لقد عاشت معنا ، عاشت وكبرت ورافقتنا

تفصيل آخر أتوقف عنده ، أتذكر الألبوم الأول الذي إمتلكناه ، كان صغيرا ولم يكن كافيا لجميع الصور ، وربما بسبب ذلك ضاعت الكثير من الأتوغرافات ، لم يفكر أحد في إقتناء آخر أكبر ، فيما كنت أنا صغيرا على الإهتمام بهذه المشاكل ، غير أنه في السنة الخامسة إبتدائي كانت جائزة التفوق في الفصل الأول ألبوم صور ، تغيبت عن حفل التكريم متعمدا بسبب شقاوة الطفولة ، حصلت معلمتي على الجائزة مكاني ، بعد العطلة إستدعتني للمكتب وهنأتني و سلمتني الجائزة ثم طلبت مني أن أفتحها ، فعلت ذلك ، حملت الألبوم الذي كان بواجهته صورة لطفل يقبل فتاة ، مزقت الورقة وأخبرتني أن أضع صورتي في الواجهة و أن هتم به جيدا .. وإلى يومنا هذا لازال ذلك الألبوم هو الحافظ لجميع صورنا


أين ضاعت صـوّري !

قلبت الألبوم صورة صورة ، لم أعثر على صوّري ، شعرت بإحساس الضياع ، الفكرة بدأت بالبحث عن صوّري ، في البداية نسيت هذا وأنا غارق في الصور الكثيرة لإخوتي وعائلتي و الأشخاص الذين نمتلك صورهم ، لكني في النهاية تذكرت ما بدأت منه .. البحث عن صوري وإعادة قراءة لحظات مختلفة من حياتي ، غير أني لم أعثر على ماكنت أبحث عنه ، صحيح أعرف هذه الصور ورأيتها من قبل وأتذكر حتى لحظات إلتقاط الكثير منها .. ذهبت إلى بيت أختي وطلبت منها صوري ، قلت لعلّها أخذتهم معها ، أعرف أنها تحبني كثيرا وتحتفظ بشهاداتي التقديرية و كشوف نقاطي المدرسية ، لكنها أخبرتني أنها لا تملكهم ، أرتني بعض الصور المدرسية وصور البطاقات الصغيرة ، أخبرتني أيضا أن أقاربنا كانو يصرون على أخذها خصيصا لأنها حسبهم صور مميزة وجميلة وبها الكثير من الفرح الطفولي ، ذكرت لي من يملكونها ، نصحتني أن أذهب لخالتي فهي تملك الكثير منها و وصفت لي حتى الصور التي عندها ، غير أني لم أمتلك الشجاعة لأطلب ذلك من خالتي وحتى من الأشخاص الذين ذكرتهم ولو لتصويرهم بهاتفي فقط !

في النهاية ورغم أني لم أعثر على ماجئت أبحث عنه ، لكنني عرفت مصدر إرتباطي بالتصوير ، عرفت أن هذا الهوس ولد معي ، أو بالضبط عندما قرر والدي شراء الكاميرا التي أضعناها مؤخرا إحتفاءا بقدومي إلى الحياة !