يا أيّها الكرز المنسيّ !

“ قال أبو فياض: (أفضل هدية هي سلة من كرز ضيعتنا. أتذكرون كم كان عمر يحب كرز ضيعتنا، ويقول عن لونه الأحمر إنه تعبنا ودمنا).


فأثنينا جميعًا على رأي أبي فياض.


وقال لنا عمر: (الظلم لا يدوم).


وقال لنا: (كيف تقبلون بحياة الذل!).


فقلنا له: (العين بصيرة واليد قصيرة). “


فقال عمر بصوت غاضب: (اليد قصيرة لأن القلب خائف). “

دمشق الحرائق - زكريا تامر

___ قصة فوتوغرافية

جوان 2024

محمدي حكيم

ترانزيت لطـيف

أحب الكرز .. أحب شكله أكثر من طعمه ، أحب لونه الأحمر القاتم ، يذكرني بالنجاح الذي يلي التعب ، النجاح الذي يلي التضحية ، لايمكن أن يكون ناضجا وأحمرا وجميلا بدون سبب !

لابد أن يكون ناضجا وأحمرا وجميلا لأن هناك أيادٍ تعبت العام كلّه ..

أقتسم مع الفتاة التي أحبّها حبّ الكرز ، نشعر أنه يوحدنا طالما أن هناك إختلافات كثيرة بيننا ، .. الكرز يوحّد وهذا كافٍ لنجتمع على حبّه ، قبل ذلك إتفقنا على حب فلم “ طعم الكرز “ للمخرج الإيراني عبّاس كياروستمي ..

بلا شك الكرز هو أحبّ الفواكه عند الكثيرين شكلا وذوقا ، وأينما وُجِد دلّ على الحياة والفرح والحبّ ..


في السنوات الأخيرة أسمع كل بداية صيف عن حمّى جني الكرز ، حمى تصيب الشباب والمراهقين والعاطلين وحتى الشيوخ في مدينتي ،أسمع بذلك من خلال تهافتهم على صديقي الذيي يعمل مدير مبيعات في مستثمرة فلاحية تعد الأكبر في إفريقيا ، يتهافتون عليه ليساعدهم على الإلتحاق بالجني ..

تملكني شعور معرفة المزيد عن هذه المهنة التي يقول البعض أنها شاقة ، بدأت في البحث والتساؤل ، أخبرني هذا الصديق عن إشرافه العام الماضي على عملية الجني وحكى لي كثيرا عن عمال الجني الذي يتقاطرون من ولايات مختلفة ، شعرت أن كل ماقاله يهمني وحدّي فقط ، إنها قصتي التي أبحث عنها ، منذ متى كان الكرز يمثل الشقاء ! ، إقترحت عليه فكرتي في عمل بورتريهات مصورة غير أنه لم يتجاوب كثيرا لأن الشركة المسيرة تفرض قيودا إنظباطية مبالغة ، ولن يقبل أحد وجودي للقيام بالتصوير خصوصا وأنها تعيش مشاكلا مع القضاء !


بعد أيام جاءني مبشرا أنه وجد طريقة تساعدني ، فالشركة تحتاج مزيدا من العمال وكل ماعلي فعله هو إيجاد حافلة و عشرون عاملا على الأقل وأرافقهم بصفتي “ شاف شونطي “ أي مسؤولا عليهم ! و هناك يمكنني التصوير براحة دون لفت إنتباه .. غير أنني عجزت عن إيجاد حافلة تتعاقد مع الشركة ، رغم أني حصلت على موافقة العمال ..

في النهاية وفي محاولة أخيرة منه لمساعدتي إتصل بصديق له يعمل في السقي وأخبره أني طالب جامعي يحاول إلتقاط بعض الصور لمشروع تخرجه هذا الصيف ، ليقبل الصديق بإستضافتي و يدعوني للمجيئ يوم الثلاثاء صباحا مع العمال القادمين من بوقطب ..


موجة من المشاعر المختلطة إنتابتني وسيطر علي شعور الخجل ، بت ليلتي مستيقظا ، وفي حدود الساعة الرابعة والنصف صباحا كنت أمام بيت صاحب الحافلة ، إنتابني شك قبل خروجه أني تأخرت عن الموعد و أنهم أقلعوا قبلي ، ولكن لحسن حظي أن حضرت مبكرا وكنت أول راكب وكان السائق صديقا أيضا ، قمنا معا بجولة في المدينة لنحمل العمال الذين يتجمعون في نقاط مختلفة في مجموعات صغيرة ، قبل أن نخرج في الظلام وسط نكات بسيط يصنعه العاملون فيما بينهم ، كان جوا لطيفا وعلاقة ودية فيما بينهم ومع السائق أيضا ، شعرت أني محظوظ بهذه السفرية التي تمتد لقرابة الساعة من بوقطب إلى قرية مصباح ومنها عبر طريق فرعي إلى المستثمرة التي تقع في تخوم ولاية سعيدة


يوم عمل شاق !

في حدود الساعة الثامنة إلتقيت بالشخص المكلف بنقلي إلى حيث يتم الجني ، سلم علي ، بدا لي شخصا لطيفا ، وكان تقديره وإحتفاؤه بي واضحا حتى أنه أقلقني وشكل لي مايشبه الإلتزام وفكرت أن هذا سيقيد حريتي فيما جئت أبحث عنه ، ركبنا دراجته النارية ، أخبرني في الطريق أن أُخبر البوابين أني طالب عمل جئت لوضع ملفي في الإدارة إن أوقفونا عند الباب ، فكرت بسرعة وأنا على ظهر الدرّاجة في العمل الذي سأخبرهم عنه إن هم أوقفونا ، واستقرّ ذهني على مهنة “ لحّام “ ، سَرَت في داخلي روح المغامرة وإقتحام المجهول ، غير أننا عبرنا البوابة دون أدنى مشكل ، عرفت أن مرافقي يشعر بخوف من ملاحظة المسؤولين لي ، حتى أنه لامني أني لم أحضر ملابس عمل مثل التي يرتديها العمال والتي غالبا ماتكون قديمة ومرتقة !

وصلنا لأشجار الكرز ، بدت متراصة و مصففة بشكل هندسي ، في كل توقف كان يترجل قبلي ويحيّي العمال ثم يتظاهر بشرح طريقة الجني ونوع الكرز و الأمراض التي تصيب الشجرة ثم يستدير للعمال ويخبرهم أني مهندس فلاحي فيبتلعون الطعم و يحاولون تقديم خبرتهم لي بكثير من الودّ ، أقوم بدوري أنا أيضا وأرد بعبارات تقنية و مرات أختار مصطلحات فرنسية حتى أقنعهم أني بالفعل مهندس ! ، أحمل هاتفي بيدي و ألتقط الصور ، فيقومون بتوجيهي للأشجار المثمرة سرعان ما يدخلون في كادر الصورة بدون أن أطلب منهم

وهكذا كنت قمت بتأدية ثلاثة أدوار دون أن أكون في الحقيقة أيّا منها .. طالب جامعي ، لحّام ، ومهندس ..


“ وقال لنا عمر قبل أن يصعد إلى الباص: (الآغا صاحب نفوذ وجاه في دمشق، وهو الذي نقلني من ضيعتكم لأني لم أصبح خادمًا له ولأني أحبكم، ولكن اليوم الذي تتخلصون فيه من ذلك الآغا وأمثاله ليس بالبعيد بل هو قريب، وسترونه أنتم لا أحفادكم، وستصبح الأرض التي تشتغلون فيها ملكًا لكم). “

اليوم الذي قضيته وسط العمال قربني كثيرا منهم ، إحتضنوني بطيبتهم ، كنت بين الفينة والأخرى أسألهم وكانو يجيبون برحابة صدر ودون أدنى إمتعاض ، يوجد بينهم جامعيون و يوجد من لم يدخلو المدرسة يوما ، وبينهم كثير ممن غادرو المدارس في المراحل الأولى .. لافرق مستوى هنا ، الكل عليه أن يجني بنفس الطريقة الروتينية ، يحمل صندوقه المربوط بحزام لرقبته و عليه أن يجني في النهار مالا يقل عن 13 صندوقا وإلاّ سيسرّح !

هذا العام وصل عدد العمال إلى 1000 عامل ، ووصل في السنوات السابقة إلى ثلاث و أربع أضعاف !

يأتي العمال من مناطق كثيرة ومختلفة ، من بوقطب ، الخيثر ، سعيدة ، عين الحجر ، سيدي بلعباس ، تلاغ ، معسكر …عبر حافلات “ كواستر “ ، كل حافلة تشكل فريقا ويقدم شخص من الحافلة نفسه مسؤولا عن الفريق يسهر على المراقبة وجرد الحاضرين والمتغيبين و تقديم عدد الصناديق عند نهاية الدوام ، بينما يلتزم أفراد الفريق القادمين عبر حافلة واحدة العمل في جهة موحدة ولايختلطون بالفرق الأخرى ، وبالنظر لشساعة المكان فإنه من المستبعد تداخل الفرق فيما بعضها ..

يصل غالبا عدد أفراد الفريق إلى 30 شخصا ، ولابد أن لايقلّ عن 20

الذي شدني أكثر هو طريقة مراقبة العمال الذين يمكن أن يتهاونو ، لأنه يستحيل ظبطهم ومراقبتهم وسط الأشجار المتراصة و نظرا لعددهم المعتبر ، غير أن هناك طريقة يتم عبرها ظبط سير العمل بلا تهاون وهي المراقبة الذاتية ، حيث يراقب العامل نفسه بنفسه ، ويراقب زملائه كجزء من عمله !

تتلخص العملية في نهاية العمل و جمع الصناديق و تحويلها للتعليب ، حيث يجمع كل فريق صناديقه مع بعض ،يقوم المسؤول بعدّ الصناديق ثم يقوم بعملية حسابية إحصائية لابد أن يكون متوسطها الحسابي 13 عشر صندوقا على الأقل ، و إذا كانت النتيجة أقل من هذا العدد وتكررت يسرح الفريق كله ! ، بهذه الطريقة الذكية يصبح أفراد الفريق ملزمين بمراقبة بعضهم وتبليغ مسؤولهم “ شاف شونطي “ ، الذي لن يقبل بالمتهاون الذي يدمر الفريق ويعرضه للتسريح ، وقد تصادفت مع حادثة مشابهة لأحد الفرق التي قام مسؤولها في آخر لحظة بإصطحاب شيخ للجني والإعتذار لشاب يافع ، غير أنه يقول أن هذا الشيخ لم يجنِ سوى صندوقين وقد انتصفت مدة العمل وبذلك الفريق كله معرض للتسريح بسبب تهاونه .. قال نادما أن الشاب الذي إعتذر له كان من المحتمل جدا أن يكون نافعا ! .


في درجة حرارة تصل منتصف الأربعين درجة وفي عزّ شهر جوان يتم الجني ، على العمال أن يتحملوا ثماني ساعات تحت أشعة الشمس من أجل مبلغ يومي لايتجاوز 1200 دينار جزائري ودون أي تحفيزات أو تأمين ! متحملين زيادة على هذا مشقة السفر .. وفي نهاية اليوم يتم تفتيش صارم لقففهم التي يحملون فيها غداؤهم من طرف البوابين خوفا من أن يسرقوا بعض حبات الكرز

يقول العمال الذين تحدثت إليهم أنهم بطالون باقي الأيام ولا وجود لفرصة أفضل من هذه و أنهم ملزمون بالصبر والمقاومة من أجل “ الخبزة “ كما أن الكثير منهم يعتبرون أنفسهم متعودون ، فأغلبهم عملوا هنا في السنوات الماضية ..



طعــم الكرز

“ وقال أهل الضيعة لأبي فياض: (قل لعمر إننا ما زلنا جياعًا).


(قل له إن جوعنا ازداد).


(بتنا نأكل حتى الحصى).


(حدثه عن القمل الذي يأكلنا).


(وعن اللحم الذي نسينا طعمه).


(حدّثه عن أمراضنا).


(قل له إننا بحاجة إلى أطباء وأدوية).


(ضيعتنا بحاجة إلى ماء نظيف للشرب).


(حدّثه عن شوقنا إلى نور الكهرباء).


(كلّمه عن الآغا وأفعاله).


(نحن نشتغل وهو يحصد).

تنتج هذه المستثمرة أجود أنواع الكرز ، كل الظروف البيئية التي تساهم في إنجاح المحصول موجودة ، تتربع على مساحة تصل إلى 183 هكتارا ، تضم 145 ألف شجرة منتجة ، بدأ غرس هذه الأشجاد سنوات 2012 _ 2013 وإلى يومنا هذا يتواصل الغرس ، نسبة كبيرة جدا من هذه الأشجار منتجة ، تنقسم إلى أربع أنواع :

الكرز الأحمر الحلو

الأسود الحلو

الأحمر الحامض

الأسود الحامض ..

تنتج الشجرة الواحدة سنويا مابين 50 حتى 100 كيلو غرام ، وبهذا تعد من أكثر الأشجار إنتاجا في البلاد ، كما أنها تتلقى إهتماما كبيرا طيلة السنة من الأسمدة و الأدوية المضادة للحشرات ..

في المستثمرة جزء للتعليب ، تقوم الجرارات يوميا بنقل صناديق الجني وتفريغها بالمعمل حيث يقوم العمال هناك بتنظيفها وتعليبها وتوجيهها إلى ولاية معسكر للحفظ والتبريد قبل أن توجه للسوق المحلية عبر تجار الجملة الذين بدورهم يوجهونها لتجار التجزئة .. لتصل إلى المستهلك بسعر باهض نوعا ما يصل ويتجاوز 2500 دينار جزائري ..

السعر هذا يمثل أجرة يومين كاملين لعامل الجني الذي يقضي يوميا ثماني ساعات تحت أشعة الشمس وفي ظروف مزرية ، ولن يكون بإمكانه شراء كيلو غرام واحد عند توفر الكرز في السوق وبذلك لن يكون بإمكانه تذوق طعم تعبه إطلاقا !


“ ظل أبو فياض ساكتًا كأنه أصمّ، ووضع سلة الكرز على الأرض، وتكلم بصوت أجش، فقال للصغار: (تعالوا وكلوا الكرز، وعندما تكبرون لا تنسوا طعمه). “

في كثير من الثقافات العالمية يمثل الكرز رمزية ثقافية وإجتماعية ،قديما ارتبط الكرز بطائر العنقاء الذي ينهض من بين الرّماد .. ، عند سكان سويسرا يسود اعتقاد بأن شجرة الكرز يمكن أن تحمل بوفرة إذا كان أوّل آكلي ثمارها امرأة وضعت لتوّها مولودا.

وفي رواية بستان الكرز لـ انطون تشيخوف، يرمز الكرز إلى ماضي روسيا الغابر. في نهاية الرواية، تبيع العائلة منزلها ليُهدم، ثم تبيع بستان الكرز الذي تملكه لتُقطع أشجاره وتباع كحطب. .

في آسيا يرتبط اليبانيون بشدة مع الكرز ، يمثل عندهم الزهرة الوطنية ، ويمثل لهم صورة اليابان في العالم جنبا إلى جنب، مع صور أخرى مثل السوشي وفتيات الغيشا ومحاربي الساموراي ..

احتفالات اليابانيين السنوية بهذه الشجرة، وتوظيفها الواسع في الفنّ بسبب جمالها الفطري ورمزيّتها، أسهم في أن تصبح أزهار الكرز جزءا لا يتجزّأ من هويّة اليابان الثقافية.

بالمغرب وشمال إفريقيا عموما يسمى ب “ حَبْ لملوك “ ، يقام سنويا بالمغرب مهرجان مهم يحتفي بهذه الفاكهة ، يعود تاريخ المهرجان إلى سنة 1919 ، وينظم بمدينة “ صفرو “ ويتم فيه إختيار فتاة لنيل لقب ملكة جمال حب الملوك

يعود اصل التسمية إلى جبال الاطلس ،حيث اشتهرت بكونها تعالج مرض النقرس والذي كان يطلق عليه بين السكان المحليين بـ«المـلَوك» ، ولما عرف عنها أن لها فوائد صحية كثيرة والتي من أهمها المساعدة على علاج هذا الداء سميت حبات الكرز بحب الملوك، ومنها جاءت تسميت المهرجان الذي يقام احتفالا بهذه الفاكهة.



فيا أيّها الكرز المنسي سلام أينما وُجدت ، ويا عمال الجني غير القادرين بعرقكم و أجركم تذوق طعمه .. سيبقى الكرز لون دمائكم ، سيبقى تذكارا لتعبكم و لأياديكم السوداء ..