يومٌ عـادي

_________

.. إن خروجنا اليومي هو روتين ألفناه منذ وجودنا الأول ، فإذا كان البيت هو الإحتماء من الأهوال فإن الخروج يعني طلب الحياة ، الخروج من البيت هو البحث عن القوت ذلك ماكان يقوم به الأسلاف ..

اليوم كل خطوة نخطوها خارج البيت هي فعل تطوري ورثنا في جيناتنا ، وهي طلب مخفي للأكل ! وهي إنتصار لبدائيتنا مهما كان الذي فعلناه في ذلك اليوم ..



قصّة فوتوغرافيـة

لحكيم محمدي

تك .. تاك .. تك .. تاك

الساعة العاشرة والنصف صباحا

يوم جديد :


منذ اللحظة التي أدركت فيها أن أيامي بسيطة وروتينية وأني لا أحظَ باليوم المميز قررت أن أحتفي باليوم العادي ، اليوم الذي يمر هادئا دون أن تصيبني حادثة سعيدة أو يصيني مكروه ، فالعادية تعني أني سالم و بعيد عن الأذى وهذا أقل ما يُطلب هذه الأيام ..

أستيقظ من نوم طويل يبدأ مع آذان الفجر ، تقول أمي أنها أيقظتني لشراء الخبز و أني لم أستجب ، أقسم لها أني لم أسمعها ، .. هكذا أفتتح صباحاتي معها كأول من ألتقيه ، أجدها تستعد لقيلولة بعد أن قامت اليوم من صبحه ، تخبرني أن لا يوم لي وقد فرطت في تلك الساعات الحلوة التي يولد فيها الصباح على نوطات عصافير الحديقة المجاورة ! .. أرتشف قهوتي وأنا أضحك عليها ثم أنصرف ..

عند غالب البشر يبدأ اليوم من البيت ، من الحاضنة التي يشترك فيها البشر دون إستثناء ، حتى أولئك المتشردين لابد أن لهم حائطا أو ركنا يستكنون إليه ليناموا ..

البيت أكثر من منطقة راحة ، وأكثر من مكان آمن ، إنه الملاذ الذي نهرب إليه لما يحوزه من عاطفة وعادات وعلاقات أسرية .. كنت أشعر بذلك وقد عرفته من بعد من خلال قراءاتي التي أذكر منها بيير بورديو في دراسته للعادات البيتية في جبال الأطلس…

خلال جائحة كورونا التي إجتاحت العالم مؤخرا دخل الناس بيوتهم تحت ما يسمى بالحجر

المنزلي ، خلال تلك الفترة الحرجة أعاد الناس إكتشاف بيوتهم مرة أخرى وضجت هذه الأماكن بالحياة من جديد و أصبحوا يشاركون يومياتهم على وسائل التواصل الإجتماعي وقد تساوى كلهم في اليوم العادي داخل البيت محتملين الضجر والروتين .. غير أن إحساس الأمن في هذه الأيام النمطية المتشابهة كان النقطة الفاصلة ، فالعودة إلى البيت هي إحتماء من خطر العدوى ، تماما مثل عودة الأسلاف للبيوت هروبا من خطر الطبيعة ..

الشعور الدائم بالأمان في البيت و فضاؤه الداخلي يناقض كل الخارج المثير للقلق بمتاعبه وأخطاره ومشاكله. ويتولّد من ذلك ارتباط عاطفي به يتجلّى أكثر في أيام الراحة والعطل التي لايحدث فيها شيئ مميز ..

يومي الذي ينطلق من البيت لايختلف عن أيام ملايين البشر ، يبدأ من فطور صباحي ، ثم العودة للفراش وتصفح المواقع وقراءة الكتب وأحيانا التفكير الطويل ، يتكرر هذا الفعل كل نهار غير أنه لايشكل عندي روتينا مملا ، بل يصبح في كثير من الأوقات حاجة وضرورة لابد منها ..

أشعر اليوم أن الوقت الذي أقضيه في البيت بعدما أستيقظ هو جزء مهم من حياتي أدمنته ولا أستطيع التفريط فيه ، فمراجعة نفسي والحديث معها والتفكير في الماضي والمستقبل والمطالعة و الحديث الأسري هي أشياء سأتخلى عنها و أفتقدها لو قدّر لي أن تكون أيامي مليئة بالأحداث التي تكسر النمطية والروتين !

تذكار : مارينا تزيفيتاييفا


يومي عبثيٌّ بلا معنى : رغبتُ في صدقة من فقير

ومنحتُ للغني بكرم فائض

ألبستُ الإبرةَ شعاعا

وتعهّدتُ بمفتاحي لسارقٍ

وخضّبتُ خدّي بالبياض

لم يرغب الفقيرُ في صدقتي

ولم يأخذ مني الغنيُّ المال ، ولم يدخل الشعاع الإبرةَ

والسارقُ يتسللُ بدون مفتاح

والغبيّةُ تبكي كثيرا

على يومها العبثي ..


ترجمة : محمد خطّاب



الخروج من البيت مغامرة خطيرة


سيوارن

مابعد منتصف النهار :

ماذا يوجد بالخارج ،أي وحوش تنتظرنا لتنقضّ علينا ، أي سلاح سنحمله معنا لمواجهتها ، سنخرج وفقط ، كلنا دون إستثناء معرضين رغما عنا لمغادرة البيت تحت طائل أو دونه ، سنترك فراشنا الوثير وبيتنا الواسع لمواجه أعطاب ومطبات لاحصر لها غير أننا سنخرج !

لو لم تكن العادة لكان الخروج من البيت يستدعي منا يوما كاملا للتفكير ، غير أننا سنخرج بحكم العادة ، قد لانفكر في خطر أو عارض لكن ذلك مدفون في لاوعينا ، الوحوش خارج البيت تصطاد ، ربما ستخطف الواحد منا من ياقة قميصه وهو يستعد لوضع خطوته الأولى خارج عتبة بابه !

إن خروجنا اليومي هو روتين ألفناه منذ وجودنا الأول ، فإذا كان البيت هو الإحتماء من الأهوال فإن الخروج يعني طلب الحياة ، الخروج من البيت هو البحث عن القوت ذلك ماكان يقوم به الأسلاف ..

اليوم كل خطوة نخطوها خارج البيت هي فعل تطوري ورثنا في جيناتنا ، وهي طلب مخفي للأكل ! وهي إنتصار لبدائيتنا مهما كان الذي فعلناه في ذلك اليوم ..

كل واحد فينا له القدرة على توقع حوادث يومه ، الأيام العادية تتشابه وفي الغالب مكروهة عندنا ، لا أحد يحتفي بيومه العادي ، بل يعتبره روتينا مملا يتكرر معه منذ أن بدأ الوعي ..

ذلك ماشعرت به وما كنت أشعر به قبل أن أواجه هذا الإحساس ، خصوصا وأن حياتي مليئة بالأيام المتشابهة ، أشعر بأني أكثر شخص يتعرض لهذا الأمر ، أيامي نسخ ليوم واحد ، لا أسعى بالطبع للتغيير لكني آمل أن لايكون اليوم مثل الأمس رتيبا !

مرحبا مرة أخرى ..

أنا حكيم

سأخرج أنا أيضا

  • الهلاوس تلاحقني لكني لن أسمح لها بالتغلب علي .. لا شيئ مخيف بالخارج ، لا شيئ متأكد !
  • أسكن في مدينة صغيرة ، أعرفها جيدا ، أعرف كيف تمر أيامي فيها ، لاجديد ..الأيام متشابهة ، الأماكن التي أذهب إليها نفسها ، النادلون في المقاهي لم يتغيرو !

الوضع طبيعي

الوضع ليس مقلقا البتة !

لما الخوف من مغادرة البيت !

  • الأفكار .. الأفكار هي التي تخيف ، هي التي تتسلل وتنغص علي يومي ،يومي الرتيب الروتيني الجميل إلى حدّ مبهر !


  • كل أصدقائي يشتكون من الروتين ومن تشابه أيامهم ، وكلهم يحتفلون بأيامهم المميزة بالصور والفيديوهات ومشاركتها ، غير أني أختلف عليهم ، أحب أن أحتفي بأيامي العادية ، أعرف السبب ، أن يكون يومي عاديا معناه أن يكون آمنا وأن يكون مشابها لأيام كثيرة مررت بها ولابد أن طورت طرقي في التعامل معها

بينما اليوم المميز هو يوم بأحداث غير متوقعة ، والله وحده يعلم كيف تكون هذه الأحداث !

النقاط السابقة هي ملاحظات كنت قد سجلتها على مفكرة الهاتف لأعود لاحقا وأبني عليها نصا أنشره على حسابي الشخصي غير أن الحقيقة هي النقاط تلك لم تكن سوى مخاوفي وتصوراتي عن كيفية بداية اليوم بعدما استهلكت جزءا منه داخل البيت ..

إكتشفت ذلك وأنا بصدد إنجاز هذا العمل ، حيث أني أداوم في يومي العادي على أماكن محددة ، أخرج بعد منتصف النهار لأتوجه مباشرة للمقهى القريب ، أدخن سجارتي الأولى ، ربما أساعد في العمل لبضع دقائق بصفتي خدمت في المقهى سنوات معتبرة ، آخذ شايا و أجلس في أحد الطاولات ، حتما سنلعب دومينو أوكوتشينة !

يتكرر اليوم بنفس الطريقة وطيلة السنة ، وتجدني أداوم على هذا دون أن أتذمر لأني في الواقع سعيد بالأمان الذي أشعر به ، وخوفي متجذر من حدوث أي جديد يحدث خللا على نظامي هذا ..

وفي أيامي المميزة التي كنت أقوم فيها بتسجيل أفلامي وفي العطل والسفريات كنت أتوق بشدة للعودة إلى مدينتي البسيطة والمملة مشتاقا لأيامها الروتينية وما تمنحه لي من سلام وهدوء لم أجده في أي يوم من أيامي المميزة !

أشعر أن بي خلل و أني مختلف جدا عن الذين أعرفهم التواقون بشدة للتخلي عن روتينهم النمطي ، بينما يستمر تقدسي لأيامي العادية المتشابهة والتي تمر دون حدث صغير كان أو كبيرا !


مذكرات يوم عادي :


الأحد 25 جوان 2024

10:10

في هذا الوقت إستيقظت ، نهضت متوترا من الإزعاج الذي سببته لي أمي ، لكنها أخبرتني أن منبه هاتفي يرن ، تذكرت أن لم ألغه البارحة ، حاولت النوم مجددا غير أن الحمى منعتني .. اخذت الهاتف ، وبعثت برسالة صباحية لفتاة أحبها ، تصفحت مواقعا أدبية وسينمائية ثم نهضت لتناول فطوري.. لا جديد حتى الآن


11 : 20

الذاكرة تصر أن أفتح جرحا قديما ، أعود بها إلى سنتي الأخيرة في الجامعة ، لقد مر بي في المنام طيف أستاذة درستني لثلاث سنوات ، الأسئلة بلا إجابة : لماذا حاولت التقرب مني ، وما الدافع الذي تركني أستلذ تقربها ذلك !

12:00

في المقهى كان الجو مقيتا بشكل يصعب تحمله ، أشعلت سجارتي الأولى ، حرصت على شربها دون أن يقاطعني أحد بحديث ممل ، بالفعل أشعلت سجارة ثانية واستأنست بهذا الهدوء الجنائزي المقيت !


14:00

عدت إلى البيت بعدما كنت الباييس لمرتين على طاولة دومينو ، أكملت دردشة حميمية مع فتاة أحبها ، قبل أن أبدأ في قراءة النصف الثاني من رواية النجوم تحاكم القمر






15:30

لاشيئ .. لاشيئ .. تحديق للسطح !

16:10 :

مكالمة هاتفية مع شخص عزيز يداوم على التواصل معي ويشاركني تفاصيل حياته وعمله و مخاوفه و أفراحه

17:00

ضجر و إحباط لم أشعر به من قبل ، حتى التفكير لم يعد مغريا ، سأخرج وفقط ..

18:20

حديث طويل مع الأصدقاء حول مواضيع ومشاريع مختلفة ..

21:00

عدت الى البيت قبل نصف ساعة ، كنت أحادث فيها رفيقتي ، أنا معجب بها حقا وبطريقة تفكيرها وكيفية تخفيفها لضغوط الحياة .. يمكن أن تتحدث في مواضيع مختلفة بطريقة جميلة ، أتمنى أن تكون هي أيضا معجبة بي

العشاء الآن

بعده سأكون في الخارج

السهر

إلى اللقاء !

ماذا تفعل من الصباح للمساء ؟

أكابد !


سيوران

“ كلّ مساءٍ تعود الطيور لأعشاشها ، يرتفع صوت فراخها ، أراقبهم بإحساس مليئ بالسلام والهدوء من سطح بيتنا بعدما سمعتهم صباحا يغادرون باكرا في اللّيالي التي أبقى فيها سهرانة مع حبيبي .. “

بتول فاطمة

📷 : Batoul

إلى غاية فجر اليوم الموالي :

أنتظر الليل ، أنتظره بشغف ، يتعدل مزاجي بمجرد ما تغرب الشمس ، المشي في الشوارع الفارغة له سحر خاص ، ليس المشي وحده ، بل كل شيئ يصبح له معنى ، حتى السجارة تصبح سجارة !

أبحث عن سبب منطقي لهذا فلا أجد ، أسمع كثيرا أن الليل نديم السكارى والعربيدين والذين تنصل منهم المجتمع ، حيث أنهم يرون في الليل تساويا مع الآخرين وربما سيمتهنون النشل ليثبتوا تفوقهم أو جدارتهم ، وأنه هروب دون هذا من النهار ، غير أن حبي لليل لم يكن لأي سبب من الأسباب التي كنت أسمعها ..

الليل دواء روحي ووقت مقدس بالنسبة لي ، لطالما كان هاجسي الأعظم الذي سيطر علي طيلة سنوات طفولتي ، لقد مثل لي الموت في تجليه الأكبر ، كلما يسدل ظلامه تجدني أنتظر الموت ليجز رقبتي ، كان ذئبا يترصدني ، وكنت أخشى أني الشاة القاصية في القطيع ، لم يقم والداي بأي جهد ليخبراني أن الليل والنهار مجردا وقتان متعاقبان وأن ما من شأنه أن يحدث في النهار قد يحدث في الليل ، والموت الذي تخشاه لايشكل معه الصباح أو المساء فرقا ، في الحقيقة لم أشأ أن أخبرهما بمخاوفي التي عشتها بضعف شديد ، لم يكن هناك مايشجعني للبوح ، بدأت لوحدي أتداوى وأتغلب على خوفي المرضي متشجعا في السابق بشجاعة أبي الذي يخرج أنصاف الليالي ويغيب لساعات دون أن يحدث له شيئ ، ودون أن تسأله أمي كما تجري العادة !

في عمري هذا أعيش الليل خارج البيت ، أعيشه بفرح طفولي نكاية في الأزمان التي خفته فيها ، وبنوع من المواجهة المتطرفة رغم محيطي المليئ بالشجارات الليلية خصوصا في الأوقات المتأخرة ..

بالإضافة لهذا أجد رابطا روحيا مع هذا الوقت الذي أسمو فيه إلى درجات الوئام والتسامح والتصالح مع النفس ومع الآخر ، لذلك أعتبر هذا التفصيل اليومي جزء لايتجزء مني ، ولن أتخلى عنه تحت أي ظرف ، وقد فعلت ذلك أيام الحجر الصحي ضاربا القانون و التوصيات الصحية عرض الحائط ، وفي أيامي التي كنت فيها بعيدا عن البيت كنت أتوق بشدة للعودة وممارسة هذا الطقس الذي إعتدته واكتشفت فيه نفسي ، حيث اليوم أرجأ الأشياء التي تستدعي مني تفكيرا عميقا إلى الليل ذلك لأني أكون في أقصى درجات تركيزي وهدوئي !

أعود لدردشة مفتوحة معها ، أجدها تكتب لي أننا في اليوم العادي أو في اليوم المميز منشغلون بالتفكير دوما ، نفكر في وجودنا ، يأكلنا الفراغ والملل في اليوم العادي ، بينما ينهكنا التعب والإشتغال في اليوم المميز .. أكتب ردا لها أني أختار اليوم العادي ثم أعدل عن الإرسال !

تضيف : اليوم العادي يمر ولاتنتهي الحياة ، واليوم المميز يمر ولا تنتهي الحياة أيضا .. الدورة مستمرة !

أكتشف بعد ذلك أن مرور اليوم وتأثيره مختلف على نفسي ، يمر اليوم العادي علي طيبا هادئا ، بينما يضعني اليوم المميز في حرج الإختبارات البدنية والفكرية والأخلاقية والدينية ..


أعود إلى البيت قبل أذان الفجر بنصف ساعة أو أقل ، محاذرا ايقاظ عائلتي وأنا أدير المفتاح داخل القفل ، أتسلل لغرفتي كسارق ، منتظرا يوما آخرا مشابها أكون فيه آمنا ومرتاحا ..

📷 : Batoul

Maman Avant tout